أزمة الأخلاق في الواقع أم العالم الافتراضي؟

عدد المشاهدات: 349

بقلم يسرى مصطفى

تضمن العدد الأول من “المجلة العربية” لعام 2019 ملفا بعنوان “أخلاق افتراضية”؛ بهدف استكشاف واقع الأخلاقيات بالعالم الافتراضي أو بيئة الاتصال الإلكتروني.

ويشتمل الملف على عدد من المقالات لكتاب من المنطقة العربية، وتقر معظم الإسهامات التي تضمنها الملف بإيجابيات التقنيات الحديثة، ولكن بالمقابل هناك سلبيات توصف بالخطيرة وأهمها، وفقا لتقديم الملف “اعتلال مفهوم الأخلاقيات الضابطة لاستخدام بيئات الاتصال الإلكتروني ومجتمع المعلومات بصورة عامة، ما يهدد بانهيار أحد مرتكزات البنية الإنسانية الرئيسية القائمة على مفهوم القيمة الأخلاقية في التعاطي الإنساني العام.

ويعطى أمثلة على هذه الاختلالات من بينها انتهاك الخصوصية، وتضليل الجماهير، والسطو على حقوق الملكية الفكرية، وترويج الإباحية، واستغلال الحالات الخاصة، والتنمر الإلكتروني، وشرعنة المستويات المتدنية لغويا واجتماعيا وفكريا”.

وفي الحقيقة، أن الملف يناقش قضية على درجة كبيرة من الأهمية يستشعرها كل منا بوصفنا أعضاء في هذا العالم الافتراضي بدرجة أو بأخرى.

ومع ذلك، فقد يكون من المفيد أن نفرق بين الجرائم الإلكترونية كالنصب والاحتيال والاتجار بالبشر إلخ، فهذه في نهاية الأمر جرائم معترف بها في الواقع. وقد وجدت بالعالم الافتراضي فرصا بالنمو وتنويع الأساليب والأدوات. فهذا أمر معروف، ولكن على الجانب الآخر، ثمة أنواع أخرى مما نسميها اختلالات ترتبط بالقيم والأخلاق كعدم احترام الخصوصية أو العنصرية أو الحض على الكراهية وما شابه، وهذه أمور زادت حدتها بالتقاء البشر المتواصل في هذا الفضاء الإلكتروني الرحب والذي هو في نهاية فضاء للتواصل والتفاعل.

ومن الطبيعي أن تظهر الاختلالات ويتسع مداها بفعل التواصل في عالم هو الأوسع على الإطلاق، فوفق إحصائية وردت في أحد المقالات فإن عدد مستخدمي فيسبوك وصل في النصف الثاني من عام 2018 إلى أكثر من 2 مليار مستخدم. هذا الزحام غير المسبوق في تاريخ الأمم بحالة تواصل دائم بما يعنيه ذلك من تفاعل وصراع وصداقة وعداوة، فهو حقل هائل للجيد والسئ على كل المستويات.

ولكن ما لفت نظري في هذا الملف هو استخدام تعبير “الأخلاقيات الضابطة”، فالأخلاق في ثقافبتنا عادة ما ترتبط بالضبط، وهذا صحيح لأن الأخلاق ليست مجرد مبادئ أو قيم سامية ولكنها ذات وظائف منها ما يتعلق بجوانب روحية ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقات، ومنها كذلك ما يتعلق بالضبط الاجتماعي والسيطرة.

وهذه الوظيفة الأخيرة تتمثل قدرة النظام الاجتماعي على ضبط سلوكيات وتصرفات الأفراد والجماعات ليس فقط بالعنف المادي، ولكن أيضا باستخدام أدوات ثقافية وفي مقدمتها الأخلاق. فأخلاقيات المجتمعات الأبوية والذكورية مثلا تميل نحو تثبيت سلطة الرجال وهيمنة الذكور، فيكون الجزء الأكبر من الأخلاق موجه نحو ضبط سلوكيات النساء، وهكذا يكون لمفاهيم العفة والشرف والطهارة موقع الصدارة في سلم الأخلاقيات.

وحتى بافتراض أن الفضاء الإلكتروني استحدث جوانب ذات صلة مشكلة الأخلاق والقيم، إلا أن كثيرا من المشكلات هي وليدة الواقع ذاته، فهذا الموضوع كان مثار جدل على مدار التاريخ البشري في الفلسفة والأديان والعلوم الإنسانية والحوارات العامة والخاصة.

وفي الحقيقة أن أحد مشكلات المجال الافتراضي أنه يشيع الكثير من الأمور “اللا أخلاقية” وهذا صحيح، ولكن المشكلة الأساسية أيضا أنه يضعف سلطة استخدام الأخلاق كوسيلة للضبط الاجتماعي والثقافي، فالعالم الافتراضي في ذاته عصى على الضبط والتنظيم إلا في حدود ضيقة، وبالتالي تتضخم مشكلة الأخلاق في المجال الافتراضي بفعل انتشار ممارسات لا أخلاقية من ناحية، وإضعاف قدرة الأخلاق على ملاحقة وضبط ما يتم النظر إليه على أنه لا أخلاقي من ناحية أخرى.

أما المسألة الثانية التي أود الإشارة إليها هي أن تضخم الاحساس بالمشكلات الأخلاقية يعود إلى تضارب النظرة إلى القيم والأخلاق، ففي هذه العالم المترامي يحدث صدام للتصورات حول الجيد، والسئ والنافع والمضر، والمشروع والممنوع. فكل شئ موجود، وما يعد لدى البعض مقبولا هو ذاته غير مقبول لدى آخرين.

وهكذا فإن الأخلاقي يصير غير أخلاقي في الوقت ذاته، بل أكثر من ذلك، فقد ينظر البعض إلى لوحة فنية عارية بوصفها قمة الانحلال والتردي الأخلاقي في حين يشارك أو يغض الطرف عن ممارسات عنصرية ويعتبرها أمورا طبيعية، وهكذا تتداخل الأمور وتكثر الاتهامات ويزداد الشعور بالأزمة حتى ولو لم يكن هناك أزمة.

لاشك أن قضية القيم والأخلاق في عصر المعلومات مسألة مثيرة للجدل، ولكن قد لا يكون من المجدي أن نناقشها بفرضيات وقواعد قديمة، فاستخدام سلطة الأخلاق للضبط الاجتماعي والإصرار على التشديد على أخلاقيات خاصة على حساب أخلاقيات كونية مشتركة هي أمور تواجه تحديات فعلية مع توغل العالم الافتراضي.

ولعل الأمر الأكثر أهمية لمجتمعاتنا هو أن نتحرر من وهم أننا حماة الأخلاق، فأخلاقنا ليست قيم سامية بقدر ما هي أدوات للسيطرة والضبط أو حتى لإخفاء واقع غير أخلاقي في كثير من الأحيان العالم تغير ويتغير.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.